أحمد بن يحيى العمري
77
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
واضعه ، حتى أعدت قراءته أربعين مرة « 1 » ، وصار لي محفوظا . وأنا مع ذلك لا أفهم المقصود به ، وأيست من نفسي ، وقلت : هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه . وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الورّاقين وبيد دلّال مجلّد ينادي عليه ، فعرضه عليّ ، فرددته [ ردّ ] متبرّم ! ، معتقد أن لا فائدة في هذا العلم . فقال لي : اشتر مني هذا فإنه رخيص ! أبيعكه بثلاثة دراهم ! ، وصاحبه محتاج إلى ثمنه « 2 » . فاشتريته ؛ وإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في : " أغراض كتاب ما بعد الطبيعة " ! . فرجعت إلى بيتي ، فأسرعت قراءته ، فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظا على ظهر القلب . وفرحت بذلك ، وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء ، شكر الله عز وجل . وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور ، واتفق له مرض [ أتلج ] « 3 » الأطباء فيه ، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على العلم والقراءة ، فأجروا ذكري بين يديه ، وسألوه إحضاري ، فحضرت وشاركتهم في مداواته ، وتوسمت بخدمته ، فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ، ومطالعتها ، وقراءة ما فيها من كتب الطب . فأذن لي ؛ فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة « 4 » ، في كل بيت صناديق من الكتب منضّدة بعضها على بعض ، في بيت منها كتب العربية والشعر ، وفي آخر الفقه ، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد .
--> ( 1 ) : في الأصل المخطوط : " أربعين يوما " والتصويب من عيون الأنباء ، وتاريخ الإسلام . ( 2 ) : انظر : ابن العبري - تاريخ مختصر الدول 187 . ( 3 ) : هكذا ورد في الأصل المخطوط ولعل المراد من المعنى : استدعى تدخّل الأطباء لمعالجته . ( 4 ) : أي : ذات غرف كثيرة ، وكان يطلق على الغرفة بيتا ، ومجموعة البيوت دار .